مركز ميزان > اخبار حقوق الإنسان > شهادات مؤلمة من سجون الاحتلال:أسيرات مقيدات يضعن ...



شهادات مؤلمة من سجون الاحتلال:أسيرات مقيدات يضعن مواليدهن على مرأى من جنود الاحتلال



رائد موسى / 15.03.2009 : 12:32:36


 

يوسف أصغر أسير في العالم وبراء يحن إلى صديقته غادة

113 أسيرة فلسطينية بينهن 17 أماً يواجهن صنوفاً من عذاب الاحتلال


غزة-رائد موسى (لصحيفة صوت الحق والحرية):


حكاية من خلف القضبان السوداء، هناك حيث الظلام الدامس ، في مكان لا يعرف للرحمة طريقاً، ينادين ويصرخن بحثاً عن مخلص ووقع الصدى في الاذان يصمها ، ولا مجيب لتلك النداءات .. من وسط نباح الليالي الطويلة ، وأيام عصيبة تكسر الأحلام ، وقسوة السجان سارقة الأمل ، خرجت لتروي للعالم حكايات عن القهر والحرمان.

سمر ابراهيم صبيح، من سكان مخيم جباليا.. أربعة وعشرون عاما تتلخص كلها بين الالم والمعاناة ، خاضت تجربة الاعتقال القاسية في سجون الاحتلال.. قضت عامين وأربعة شهور خلف القضبان وفي عتمة الزنازين التي شهدت ميلاد طفلها براء...



اختطفوني

الأسيرة المحررة سمر صبيح (25 عاماً) اعتقلت من منزل زوجها (ابن خالها) في مدينة طولكرم في الضفة الغربية، حيث كانت حاملاً في الشهر الثالث ، بتهمة الانتماء لحركة "حماس"، واقتادتها قوات الاحتلال الاسرائيلي كباقي المتهمين بقضايا مشابهة بكل قسوة وفجاجة رغم ابلاغها لجنود الاحتلال بانها حامل في اشهرها الاولى الا ان هذا لم يمنعهم من عصب عينيها وتقيديها واقتيادها الى معتقل المسكوبية ليتم التحقيق معها لمدة تزيد عن ستين يوما بشكل متواصل ولساعات طويلة حول حيازتها للمتفجرات وتحضيرها لاحزمة ناسفة ، تحت تهديدها بهدم منزل زوجها واعتقال اخوتها واجهاض حملها.


 

ولادة في السجن

بعد انتهاء مدة التحقيق، نقلت قوات الاحتلال سمر الى السجن بعد الحكم عليها رغم عدم اعترافها بأي من التهم الموجهة اليها. وتستذكر سمر هذه الفترة العصيبة من حياتها ، وقالت : كانت قوات الاحتلال تهملني كثيراً في زنزانتي ، وخصوصاً أثناء شهور الحمل الأولى ، فلم يكن يقدم لي الطعام الصحي ولا لجنيني ، وقد توقف جنيني عن الحراك في الشهر الرابع لضعف تكوينه ، وطالبت بنقلي الى المستشفى من دون جدوى وسط تقصير متعمد من قبل ما تسمى ادارة مصلحة السجون الإسرائيلية ، وهذا ما اثر على صحتي طوال شهور الحمل.

أنجبت بعد هذا العذاب طفلي البكر "براء" بعملية قيصرية في مستشفى مئير في " كفار سابا " التابع لمصلحة السجون الاسرائيلية، وسط إجراءات أمنية مشددة..قالت سمر ، وأضافت : نعم ولدت طفلي براء في ظلال السجن، وتحت مقصلة السجان، ومن دون حضور أي من أهلي أو أقارب زوجي، بسبب تجاهل مصلحة السجون الإسرائيلية تنفيذ قراراً قضائيا سمحت فيه المحكمة لشقيقتي وزوجها الأسير في سجن النقب بحضور عملية الولادة للاطمئنان علي.       
وتضيف سمر: قبل ولادة براء رفعت دعوى قضائية ضد إدارة مصلحة السجون ، كي يتم السماح لي بالولادة من غير قيود، وذلك بعدما حدد الأطباء موعد الولادة، وكالعادة فإن إدارة السجن لا تسمح للحامل بالولادة من دون قيد.. لقد كبلوني بالقيود أثناء فحص ما قبل الولادة بلحظات، ولم تحل إلا بعد أن تقرر إجراء عملية قيصرية لي، غير أنهم بمجرد ولادتي لبراء مباشرة، وضعوا القيد في قدميّ من جديد.

وتابعت سمر الحديث عن فصل آخر من المأساة، وقالت: عدت من المستشفى، احتضن بين ذراعي أصغر أسير في ذلك الحين.. عدت به إلى زميلاتي في الأسر، والحيرة تتملكني وأسئلة كثيرة تدور في خلدي بحثاً عن اجابات، كيف سيربو هذا الطفل داخل أسوار السجن، وفي هذا الوضع المأساوي الذي لا نطيقه نحن الكبار، كيف ساقنعه عندما يدرك الاشياء بسبب وجودنا في هذا المكان.

وأضافت سمر بكثير من المرارة وكأنها لا تزال تتجرع معاناة السجن وظلم السجان : لم تسمح سلطات الاحتلال لزوجي بروئيتي والاطمئنان علي ولا حتى رؤية مولوده الجديد لحين خروجي من السجن، وما خفف على الطفل الصغير لقاءه بالطفلة غادة ابنة الاسيرة خولة زيتاوي التي وافقت إدارة السجن ضمها إلى والدتها الأسيرة في السجن، بعد ان اعتقلت وتركتها وهى رضيعة، حيث لم يعرف براء طفلاً غير غادة، فكانت صديقة وحدته، ورفيقة لعبه، ولكنه الان قد تركها خلفه في السجن فمن يجمعهما بعد ذلك.

 

ولادات متكررة داخل المعتقل

تكررت عمليات الولادة داخل السجون الاسرائيلية، فسمر لم تكن الأسيرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي تضع مولودها في السجن، بل سبق ذلك حالات عديدة كالأسيرات انتصار القاق التي أنجبت طفلتها "وطن"، وماجدة جاسر السلايمة وأنجبت طفلتها "فلسطين" وتحررت ضمن عملية تبادل الأسرى عام 1985، وأميمة الآغا التي أنجبت طفلتها "حنين"، وسميحة حمدان أنجبت طفلتها "حنين" وأفرج عنها عام 1997.

وخلال انتفاضة الأقصى الحالية، أنجبت الأسيرة المحررة ميرفت طه (21 عاماً) مولودها البكر وائل في شهر شباط/فبراير 2003، وأطلق سراحها مع مولودها بعد قضاء فترة محكوميتها البالغة قرابة ثلاث سنوات، ومنال ناجي غانم (32 عاماً) وهي أم لأربعة أولاد، وضعت مولودها نور في شهر تشرين الأول/أكتوبر من العام 2003، وانفصل عنها بعد أن بلغ عامين ونيف من عمره بقرار من سلطات الاحتلال الاسرائيلي، وأصبحت تراه من وراء زجاج عازل وشبك سميك خلال زيارة الأهل إلى أن أطلق سراحها قبل أكثر من عام بعد قضاء فترة محكوميتها البالغة قرابة أربع سنوات.

وبحسب الأسيرة المحررة سمر صبيح فإن الأسيرة منال غانم كانت تعاني من مرض الثلاسيميا، الأمر الذي تسبب في تدهور حالتها الصحية عقب الولادة في ظل رفض ادارة مصلحة السجون الاسرائيلية تقديم العلاج المناسب لها.

وأنجبت الاسيرة فاطمة الزق من سكان مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة طفلها يوسف داخل سجون الاحتلال، وهو الطفل التاسع لها، حيث تركت الزق وراءها ثمانية أبناء بعد اعتقالها من جانب قوات الاحتلال الاسرائيلي.

 

إهمال متعمد

وتشير شهادات سمر وكثير من الأسيرات المحررات، أن الأسيرات الحوامل واجهن ظروفاً قهرية وصعبة للغاية داخل سجون الاحتلال الاسرائيلي طوال شهور الحمل وحتى موعد الولادة التي لم تتم بشكل طبيعي، وتفتقر للحد الأدنى من الرعاية الطبية، حيث تصر سلطات الاحتلال على نقل الأسيرات الحوامل من السجن إلى المستشفى في ظروف صعبة تفاقم المعاناة، وتحت حراسة عسكرية وأمنية مشددة ومكبلات الأيدي والأرجل بالقيود المعدنية، من دون السماح لعائلاتهن بالحضور والوقوف إلى جانبهن، ويتم تقييدهن في الأسرّة بالسلاسل الحديدية أيضاً، حتى لحظة دخولهن لغرف العمليات، وبعد عملية الولادة يُعاد تقييدهن ثانية بالسرير.

سياسة الإهمال الطبي الممنهجة التي تمارسها مصلحة السجون الاسرائيلية لا تقتصر على الأسيرات، وطاولت الاطفال الرضع من ابناء الاسيرات اللواتي وضعن حملهن داخل اسوار السجن في ظل غياب الاجراءات الصحية والطبية اللازمة.

الأسيرة فاطمة الزق، التي اعتقلت على حاجز بيت حانون "ايرز" شمال القطاع بينما كانت حاملاً في شهرها الثاني، تمثل نموذجاً لسوء المعاملة والاهمال الطبي الذي واجهته داخل سجون الاحتلال، حيث عانت من نقص فى الوزن وهزال شديد نتيجة رداءه الطعام وقلته المقدم للأسيرات عموما ولها بشكل خاص، وقد بدا عليها الهزال والضعف والإعياء.

 

نداءات دون مجيب

وقال مدير الدائرة الإعلامية في وزارة شؤون الأسرى والمحررين رياض الأشقر إن إدارة سجن "هشارون" الاسرائيلي، الذي تتواجد فيه معظم الأسيرات، لا تهتم اطلاقا لحياة الأسرى الرضع الذين يولدون داخل أسوار السجن، ولا توفر لهم مستلزماتهم الخاصة، ابتداء من تقييد الام لحظة الولادة الى عدم سد الاحتياجات الأساسية من الحليب وغيره، بالاضافة الى احتجازهم مع أمهاتهم في ظروف اعتقالية سيئة جداً وهم محرمون من أبسط حقوق الطفولة، ويتعرضون لما تتعرض له الأسيرات من انتهاكات ومضايقات، وأحياناً تصل إلى حد الاعتداءات والرش بالغاز السام أثناء عمليات القمع واقتحام الغرف بحجة التفتيش عن أغراض ممنوعة، وصولاً إلى الظروف الصحية السيئة وعدم وجود هواء نقى للتهوية، وانتشار الحشرات وقلة المياه الساخنة، وعدم توفير الغذاء الخاص لهم، وفوق هذا تتم مصادرة ألعابهم واحتياجاتهم الخاصة بحجج ودواعي امنية على حد زعم ادارة السجون،  كما تقوم إدارة السجون بإرهاب الأطفال والأمهات إذا ما سمعوا صراخ أي طفل في المعتقل.

 

مشاهد محفورة

وتعود الأسيرة المحررة سمر صبيح إلى شهادتها قائلة: ان الاحتلال الاسرائيلي لم يترك وسيلة إلا واستخدمها لقمع الأطفال الفلسطينيين وإرهابهم وتحويل حياتهم إلى جحيم، فسلب طفولتهم، وحقهم في العيش والاستمتاع بالحياة الطبيعية كباقي أطفال العالم، وجرح واعتقل وقتل الآلاف منهم، وأجبر بعضهم قسرياً على أن يبصروا النور في عتمة الزنازين وأن يطلقوا صيحاتهم الأولى داخل السجن، ليكبروا وتكبر معهم المعاناة، كما حدث مع ابني براء.

وأضافت: لا شك في أن ما يواكب نشأة الطفل في شهوره وسنواته الأولى يترك آثاره في صياغة سلوكه العام لاحقاً، والأطفال الذين ولدوا في الأسر أو الذين عاشوا الشهور الأولى من أعمارهم خلف القضبان، لا تزال صور القيود والأقفال والسلاسل الحديدية في مخيلتهم، حيث تتعدد اسئلة طفلي براء مع تعلمه الكلام، اين السجن ولماذا نحن في الخارج على اعتقاد منه ان السجن هو الوضع الطبيعي.

وبهذا يكون السجان قد نجح في حفر لغته في عقول الاطفال وربط مخيلتهم بعقلية السجن واصبحوا يحبون اقتناء الاقفال والسلاسل والعيش خلف ابواب مغلقة، بحسب سمر. وقالت: هذا بالتأكيد ما يسبب لهم صعوبة في التأقلم، فبراء لا يزال يرفض اللعب مع الاطفال، ويقول انا لا اريد سوى غادة وهي الطفلة التي اقتسمت معه عتمه السجن، وما اخشاه هو ان يكون من تاثيرات ذلك انعكاسه على  نمو طفلي البدني والنفسي وتوجيهه نحو ممارسة سلوك عنيف كالسلوك الذي تعايش معه داخل السجن، أو الميل للعنف والانتقام ممن عذبوه في طفولته.

 

الأسيرات في أرقام

تشير التقديرات والاحصاءات الفلسطينية إلى أن قوات الاحتلال الاسرائيلي اعتقلت منذ احتلالها الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة في العام 1967 أكثر من 10 آلاف امرأة فلسطينية، وحين اندلعت انتفاضة الأقصى في أيلول/سبتمبر 2000 لم يكن في سجون الاحتلال سوى أسيرة واحدة هى سونيا الراعى التي اعتقلت في العام 1997، ولكن منذ اندلاع الانتفاضة تصاعدت سياسة اعتقال النساء الفلسطينيات من قبل قوات الاحتلال، وتم خلالها اعتقال أكثر من 700 امرأة فلسطينية، لا زال 113 أسيرة منهن يقضين زهرات شبابهن وراء قضبان السجون والمعتقلات الاسرائيلية، ومن بينهن 6 أسيرات لا يتجاوزن 18 عاماً.

وأغلب الأسيرات غير متزوجات وقدر عددهن بـ85 أسيرة، وهناك 21 أسيرة متزوجة من بينهن 17 أماً، وعدد أبنائهن أكثر من 60 طفلاً وطفلة، وهو ما يزيد من معاناة الأسيرات المحرومات من رؤية أبنائهن واحتضانهم، خصوصاً اللواتي يقضين أحكاماً عالية تصل إلى حد السجن مدى الحياة.

اقرأ أيضا: اسيرات فلسطينيات في سجون الاحتلال نلن أعلى احكام في التاريخ
 



طباعة    للأعلى